محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
52
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
أو مجدّدة باستمرار من قبل الزمن الملئ للتجربة الدينية ، وذلك في مقابل الزمن المتشظّي ، والمحسوب ، والمحدود للوجود الدنيوي ( أي الزمن السياسي ، أو الزمن الاجتماعي ، أو الزمن العادي ) . إنه لصحيح أيضا أن كلا الزمنين يتداخلان ويولّدان الخلط بين الذرى الثلاث للديني ، والسياسي والاجتماعي ، أي ما دعوته بالدالات الثلاثة في اللغة العربية : دين ، دنيا ، دولة . وبدلا من أن يعيد التفكير في الحدود الفاصلة والأماكن الواصلة بين هذه الذرى الثلاث بعد قرون طويلة من الخلط بينها ، فإن الإسلام المدعو حديثا قد أفسح المجال لتأميم الدين من قبل الدولة . وهذا ما أدى إلى تضخّم الذروة السياسية التي تميل الآن إلى احتكار السيطرة على العامل الديني من أجل سدّ النقص الواضح أو الفاضح في مشروعية الأنظمة السياسية . أما في الأنظمة العلمانية والدنيوية الأوروبية حيث انتصر نظام الفصل بين السياسي والديني ، فإننا نلاحظ أن الزمن الكرونولوجي ، أو الزمن الاقتصادي المحسوب بمعيار الربح والخسارة ، قد رمى في ساحة الحياة الخاصة لكل وعي ذلك الزمن المتناغم للأمل في النجاة ( أي الزمن الأخروي ) . وينبغي أن نضيف إلى ذلك أن هذا الزمن الأخروي هو ذاته متطفّل عليه من قبل أنواع مختلفة من الأساطير . ويتعيّن على علم النفس التاريخي والتفسير الحديث أن يحدّدا نوعية هذه الأساطير . واليوم ، نلاحظ أن الزمن القرآني مفتّت ومقسوم إلى العديد من الأزمنة الاجتماعية والايديولوجية التي تشترك في خصيصة واحدة : وهي أنها جميعها تفرّغ ( أو تحذف ) تاريخية الحقيقة المعاشة في تجربة الإنسان مع الإلهي أو مع التقديس . كما وتحذف في الوقت ذاته تاريخية التفسير الفوضوي الذي يلجأ إليه بشكل عشوائي الحركيّون الأصوليون من أجل تأسيس لنظام سياسي منعوت بالإسلامي تعسّفا . إن الاعتباط أو التعسف الذي يمارسه هؤلاء في تلاعباتهم بتفسير القرآن يكمن في لامبالاتهم الكاملة بالبحث اللاهوتي الممارس على هيئة « فهم الإيمان على محك التجربة مع الزمن » . وهذا هو تعريف اللاهوتي الفرنسي المعاصر م . د . شينو « * » للإيمان . كما ويكمن هذا الاعتباط التعسفي في جهل الحركيّين الأصوليين الكامل بالشروط الفكرية والعلمية والاستدلالية المنطقية لكل عمل تفسيري أو مبادرة تفسيرية . ونقصد بمصطلح « الاستدلالية المنطقية » هنا مشروعية استخدام المحاجّات المختلفة والمتعارضة في المناظرات اللاهوتية .
--> * الأب م . د . شينو M . D . Chenu ، هو لاهوتي فرنسي معاصر ( 1895 - 1990 ) ، وقد لعب دورا كبيرا في تجديد اللاهوت المسيحي لكي يتناسب مع روح العصور الحديثة . وهذا هو معنى كلمته القائلة بأن التديّن الصحيح هو أن تفهم الإيمان على محك التجربة مع الزمن . بمعنى أنه يمكنك أن تؤمن اليوم أو أن تعيش الإيمان على طريقة العصور الوسطى مثلا . فالظروف تغيّرت والعصور تغيرت ، وبالتالي فنحن بحاجة إلى إيمان جديد أقل قسرية وإكراهية ، أو شكلانية شعائرية ، من إيمان العصور السابقة .